المؤتمر العربي للتأمين يناقش المخاطر الناشئة
2026/10/06 | 18:03:01
البحر الميت 6 تشرين الأول (بترا)- بحث المؤتمر العام 35 للاتحاد العام العربي للتأمين في يومه الثاني، سبل تطوير صناعة التأمين في مواجهة المخاطر الناشئة والكوارث الطبيعية والتحولات التقنية، مع التركيز على التأمين البارامتري، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة في العمل الاكتواري.
وتناولت جلسات اليوم، التي عقدت في مركز الملك الحسين بن طلال للمؤتمرات بالبحر الميت، عددا من القضايا المرتبطة بتطور نماذج تقييم الأخطار وأساليب الاكتتاب، ودور الحلول التأمينية المبتكرة في توفير السيولة السريعة بعد الكوارث، إلى جانب بحث العلاقة بين الخبرة البشرية والتقنيات الحديثة في تطوير النماذج واتخاذ القرارات التأمينية.
وشهدت أعمال اليوم ثلاث جلسات متخصصة، ولقاءات ثنائية بين المشاركين، ركزت على تبادل الخبرات واستعراض تجارب عملية في التعامل مع التحولات التي يشهدها قطاع التأمين وإعادة التأمين على المستويين الإقليمي والدولي.
وناقشت الجلسة الأولى بعنوان "المخاطر الناشئة تفرض نماذج جديدة للاكتتاب"، وهي الجلسة الثانية ضمن البرنامج العام للمؤتمر، التحديات المرتبطة بالمخاطر الناشئة وسبل نمذجتها والاكتتاب فيها، خاصة تلك التي لا تتوافر بشأنها قواعد بيانات تاريخية كافية، إلى جانب بحث إمكانات توسيع نطاق التغطيات التأمينية بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية واحتياجات العملاء.
وأدارت الجلسة ديما شطارة، شريكة ومسؤولة استشارات المخاطر في (ETG)، التي تناولت حدود الاعتماد على البيانات التاريخية في تقييم الأخطار، والتغيرات التي طرأت على منظومة التأمين، والعوامل التي تؤدي إلى انتقال مخاطر جديدة من نطاق الاستثناء أو عدم التغطية إلى مخاطر قابلة للتأمين.
وقال رئيس الاكتتاب في شركة الرياض لإعادة التأمين بلحسان تونات، إن نقص البيانات التاريخية لا يشكل بالضرورة عائقا أمام ابتكار حلول تأمينية جديدة، مشيرا الى أن الصناعة تستطيع تطوير أدوات للتعامل مع الأخطار الحديثة من خلال الجمع بين النمذجة والخبرة المتراكمة.
واستعرض تونات تجارب مرتبطة بنمذجة أخطار الإرهاب وضمانات أداء الألواح الشمسية، مبينا أن بعض التغطيات تتطور تدريجيا مع توافر البيانات وتراكم الخبرة، بما يتيح تمديد فترات الحماية وتوسيع نطاقها.
وأشار إلى أن ضمانات أداء الألواح مثال على قدرة السوق التأمينية على مواكبة التطور التكنولوجي، إذ انتقلت التغطيات تدريجيا إلى مدد أطول وصلت في بعض الحالات إلى 25 عاما.
ولفت تونات إلى أن التأمين السيبراني يمثل نموذجا واضحا لتحول خطر كان في السابق خارج نطاق التغطية التقليدية إلى فرع تأميني قائم بذاته، مشيرا الى أن حجم أقساط التأمين السيبراني عالميا يقدر بنحو 18 مليار دولار، مع توقعات بارتفاعه إلى نحو 30 مليارا بحلول عام 2030.
وأوضح أن الشركات باتت تبحث عن حماية أصول غير ملموسة، تشمل الأنظمة والبيانات والعلاقات مع العملاء والسمعة والقدرة على استمرار الأعمال، ما يفرض على قطاع التأمين تطوير منتجات لا تقتصر على حماية الممتلكات والأصول المادية.
وأكد أن تطوير هذه المنتجات يبدأ في العادة بوضع أطر أولية للتغطية، ثم تطويرها وتوسيعها كلما تحسنت نوعية البيانات وفهم طبيعة الخطر، وأن بعض جوانب تأمين الأصول غير الملموسة لا تزال في مرحلة التطوير.
وأشار إلى اختلاف ترتيب المخاطر ذات الأولوية بين الأسواق تبعا للظروف الجغرافية والاقتصادية والتوقيت، مؤكدا أهمية قراءة نتائج الدراسات والاستطلاعات ضمن سياق كل سوق وعدم التعامل معها باعتبارها مؤشرا موحدا لجميع الأسواق.
من جانبه، قال الرئيس التنفيذي للعمليات العالمية في شركة "شديد ري" لوساطة إعادة التأمين إيلي أبي راشد، إن قطاع التأمين يشهد تحولا من نموذج يقوم على سلسلة تقليدية من شركات التأمين وإعادة التأمين والوسطاء إلى منظومة أوسع تضم شركات وبيانات وتحليلات والنمذجة ومنصات رقمية ومقدمي الحلول التقنية.
وأشار إلى تنامي دور منصات مقارنة وشراء المنتجات التأمينية في المنطقة، والتي تساهم في تسهيل وصول العملاء إلى المنتجات وتبسيط إجراءات الحصول عليها، فضلا عن توفير بيانات يمكن أن تساعد شركات التأمين في تقييم الأخطار وتحسين عمليات الاكتتاب.
وأكد أبي راشد أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والنماذج التنبؤية أصبحت أدوات مهمة في فهم المخاطر الناشئة وتسعيرها، مشددا على أهمية التعاون بين مختلف أطراف الصناعة وتبادل المعرفة والاستفادة من خبرات المهندسين وخبراء معاينة الأخطار.
وأضاف، إن القطاع أصبح أكثر قدرة على بناء سيناريوهات وافتراضات بشأن تطور المخاطر المستقبلية واستخدامها في عمليات التقييم والتسعير، بالتوازي مع الاستفادة من البيانات المتراكمة ونتائج المطالبات السابقة.
وركزت الجلسة الثانية، بعنوان "التأمين البارامتري يوفر استجابة أسرع للكوارث"،وهي الثالثة في البرنامج، على التأمين البارامتري باعتباره إحدى الأدوات التي يمكن أن تسهم في مواجهة آثار الكوارث الطبيعية وتقليص فجوة الحماية التأمينية، من خلال توفير السيولة بسرعة للشركات المتضررة ومساعدتها على استعادة نشاطها.
وأدارت الجلسة كريستينا شاليتا من مجموعة ناسكو للتأمين التي أشارت إلى التأثير المتزايد للأحداث المناخية والكوارث الطبيعية على القطاعات الاقتصادية، والحاجة إلى حلول تساعد المؤسسات على مواجهة انقطاعات التدفقات النقدية واستمرار أعمالها، لاسيما في قطاعات الزراعة والصناعة.
وقال الرئيس التنفيذي للأعمال في شركة تريغر بارامتريك أندريه إيزيل، إن ارتفاع شدة الكوارث وتكرارها، بالتزامن مع تركز السكان والأصول الاقتصادية في المدن، يفرض تحديات متزايدة على عملية تقييم المخاطر ونقلها.
وأوضح أن التأمين البارامتري يعتمد على مؤشر محدد يمكن قياسه بصورة موضوعية، وشروط تفعيل يتم الاتفاق عليها مسبقا في وثيقة التأمين، بحيث يصبح تحقق المؤشر بالمستوى المحدد أساسا لاستحقاق الدفعة التأمينية، مبينا أن هذه الآلية تتيح تسريع وصول الأموال إلى المستفيدين، إذ لا تتطلب انتظار عملية تقدير الأضرار بالطريقة التقليدية نفسها، الأمر الذي يوفر للمؤسسة المتضررة سيولة يمكن استخدامها في التعامل مع آثار الكارثة واستمرار عملياتها.
وأكد إيزيل أن الحلول البارامترية لا تستهدف بالضرورة استبدال التأمين التقليدي، وإنما يمكن أن تعمل معه بصورة تكاملية، بحيث يوفر كل نوع من التغطية حماية مختلفة وفق طبيعة الخطر والخسارة المحتملة، طارحا مثالا بمصنع قد تبقى منشآته ومعداته سليمة بعد وقوع كارثة، لكنه يتعرض لخسائر مالية نتيجة تضرر المنطقة التي يوجد فيها غالبية عملائه، مبينا أن التغطية البارامترية يمكن أن توفر له حماية مالية في مثل هذه الحالات وفق المؤشر المتفق عليه.
وأشار إلى إمكانية تطبيق هذه الحلول على مجموعة من الأخطار، من بينها الزلازل والفيضانات والبرد والحرائق والأمطار، وفقا لطبيعة المؤشر المستخدم وآلية تصميم الوثيقة، مؤكدا أهمية الانتباه إلى ما يعرف بـ"مخاطر الأساس"، التي تظهر عندما لا يعكس المؤشر المستخدم حجم الخسارة الفعلية بصورة دقيقة؛ فقد تتعرض مؤسسة لخسارة فعلية دون أن يصل المؤشر إلى المستوى اللازم لتفعيل التغطية.
وبين أن نجاح التأمين البارامتري يرتبط بمدى دقة تصميم المؤشر وفهم طبيعة نشاط العميل ومصادر تعرضه للخسائر، والاعتماد على بيانات موضوعية وموثوقة، مؤكدا أهمية تطوير منتجات أكثر مرونة وتخصيصا تتناسب مع طبيعة الأنشطة الاقتصادية المختلفة، وتساعد المؤسسات على التعامل مع آثار الكوارث وتعزيز قدرتها على مواصلة أعمالها.
واختتمت الجلسة الرابعة بعنوان" الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العمل الاكتواري"ضمن البرنامج العام، التي خصصت لبحث تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة في العمل الاكتواري، ودور التكنولوجيا في تطوير النماذج وتحسين التنبؤ بالمخاطر، مع التأكيد على استمرار أهمية الخبرة والحكم المهني.
وأدار الجلسة الدكتور معتز الدبعي، أستاذ الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة في شركة التحليل النقي، بمشاركة دانا برهومة، الخبيرة الاكتوارية المسؤولة والمستشارة الاكتوارية في شركة "إكتوارية للاستشارات".
وقال الدبعي إن الذكاء الاصطناعي أصبح يؤثر بصورة متزايدة في أساليب فهم المخاطر وقياسها وتسعيرها والتنبؤ بها وإدارتها، وأن القيمة الحقيقية لهذه التقنيات تظهر عند دمج قدرة الأنظمة على معالجة البيانات والتعلم منها مع خبرة الاكتواري في التعامل مع المخاطر وحالات عدم اليقين، مؤكدا أن التحول الرقمي في القطاع لا يقتصر على إدخال أدوات تقنية جديدة، بل يتطلب تطوير الثقافة المهنية وبناء القدرات اللازمة لاستخدام هذه الأدوات بصورة مسؤولة وفعالة.
من جهتها، أوضحت برهومة أن تقنيات تعلم الآلة والتعلم العميق ليست جديدة تماما على الممارسة الاكتوارية، وإنما جاءت ضمن مسار تطور تدريجي انتقل من النماذج الإحصائية والتنبؤية التقليدية إلى أدوات قادرة على التعامل مع كميات أكبر من البيانات واكتشاف علاقات وأنماط أكثر تعقيدا.
وبينت أن النمذجة الاكتوارية التقليدية تعتمد بدرجة كبيرة على تحديد بنية النموذج والمتغيرات المستخدمة فيه من قبل الاكتواري، ثم توظيف البيانات لتقدير المعاملات، في حين يمكن لتقنيات تعلم الآلة اكتشاف علاقات معقدة وغير خطية قد لا تكون واضحة عند بناء النموذج بالطريقة التقليدية.
وأكدت أهمية النماذج التقليدية، لما تتمتع به من قابلية أعلى للتفسير، وقدرتها على العمل في ظل بيانات محدودة، فضلا عن إمكانية إدخال الحكم المهني وإجراء تعديلات على افتراضات النموذج.
وأشارت برهومة إلى أن التطور التقني وسع نطاق البيانات التي يمكن استخدامها في التحليل الاكتواري لتشمل النصوص والصور وغيرها من مصادر البيانات، لافتة الى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي أسهم في جعل بعض أدوات النمذجة والبرمجة أكثر سهولة، من خلال المساعدة في كتابة الشيفرات وشرحها واستخدام أدوات كانت تتطلب سابقا مهارات تقنية متخصصة.
وشددت برهومة على أن سهولة إنشاء النماذج لا تعني بالضرورة سهولة تقييم جودتها أو صلاحيتها، موضحة أن دور الاكتواري يزداد أهمية في ظل انتشار الأدوات القادرة على إنتاج نماذج متعددة خلال فترات زمنية قصيرة، وأنه سيكون مطالبا بصورة أكبر بفحص افتراضات النماذج، واختبار استقرارها، وفهم أسباب النتائج التي تنتجها، وتحديد حدود الاعتماد عليها، بما يضمن استخدام التكنولوجيا في إطار مهني سليم.
ويواصل المؤتمر أعماله بمشاركة واسعة من قطاع التأمين وإعادة التأمين والخبراء والمتخصصين، في إطار بحث التحديات التي تواجه الصناعة وسبل تطوير أدواتها ومنتجاتها وتعزيز قدرتها على الاستجابة للمخاطر المتغيرة.
--(بترا) رش/ ق م/اح